جمال الدين بن نباتة المصري

26

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

والمتكلّمين في اشتقاقه ومعناه أقوال كثيرة ، قيل : اشتقّ من عقل النّاقة ، إذا شدّ وظيفها مع ذراعيها بحبل يمنعها من الشرود ؛ فكأنه يمنع الإنسان مما يميل إليه من الهوى ، ومن عقل الناقة سمّيت الدّية عقلا ؛ لأنها تعقل بفناء المقتول ، أو لأنّها تحبس الدم . وقيل : اشتقّ من المعقل ؛ وهو الملجأ ، يقال : عقل الوعل ؛ إذا التجأ إلى الجبل الذي يمنعه ؛ فكأنّ الانسان يلتجئ إليه في أحواله . وقيل غير ذلك ، وأكثر المعاني مشتركة في الاشتقاق . وقال الجاحظ : العقل اسم يقع على المعرفة بالصّواب والخطأ ، وإيثاره إذا اقترنا في زمان ، وكان العلم علّة للعمل وقيدا له ، فإذا دعا الرجل علمه بالمحاسن إلى العمل بها ، ونهاه علمه بالمساوئ عن العمل بها صار قيدا لعلمه ؛ وكان كالعقال لما استحسنه ، فإذا عقله عليه وحبسه كما يحبس الجمل ، قالوا : هذا عاقل . وقال الرّاغب : العقل ، يقال للقوى المهيّئة للعلم ؛ ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوى عقل ، ولهذا قال أمير المؤمنين علىّ كرم اللّه وجهه : رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع « 1 » ولا ينفع مطبوع * إذا لم يك مسموع كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع وإلى الأوّل أشار النبىّ صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : « ما خلق اللّه خلقا أكرم عليه من العقل » ، وإلى الثاني أشار بقوله : « ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى ، أو يردّه عن ردى » ؛ وكلّ موضع ذمّ اللّه فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل ، وكلّ موضع رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل « 2 » . وقال بعض الحكماء : هو جوهر بسيط . وقال آخرون : هو جسم شفّاف ومحلّه الدّماغ . وبعض العلماء

--> ( 1 ) أدب الدنيا والدين 11 ، 12 من غير نسبة . ( 2 ) مفردات الراغب 342 .